كتبت ريتا الصيّاح
هي ليست المرّة الأولى التّي أكتب فيها عن نادي برشلونة ومشاكله الفنيّة، مشاكل تسبّب بها سوء إدارة النادي في السّنوات الأخيرة وفقدان لاعبين – مفاتيح للمنظومة التّي حقّقت الانجازات في العقد الماضي ومدرّبين لم يكونوا في مستوى قيادة نادٍ بحجم البارشا.
تعثّرات محليّة غريبة، خروج بفضائح من دوري الأبطال، غياب الفكر الكروي، لاعبون يفتقرون للـ (Barca DNA) كما يحبّ أبناء النادي تسمية أسلوبهم، اهمال للأكاديميّة صاحبة الفضل بتنشئة الجيل الذهبي …
هذه هي عناوين حال برشلونة في المواسم الخمس الأخيرة، وفي كرة القدم، حين تتوقّف عن التّخطيط للمستقبل، هذا يعني أنّك رسميًّا فشلت.
في هذا الموسم لا يبدو حال البارشا أفضل على صعيد المنافسة ممّا كان عليه في الموسم الماضي، ففي الدّوري المحلّي، ومع لحظة كتابة هذه المقالة، يحتلّ برشلونة المركز الثّالث بفارق ثلاث نقاط عن الغريم وصاحب المركز الثّاني ريال مدريد، والذّي لعب مباراة أكثر، وثماني نقاط عن أتليتكو مدريد متصدّر جدول التّرتيب، ويمكن أن تصبح إحدى عشرة نقطة بعد أن يلعب مباراته المؤجّلة.
يتساءل عشّاق كرة القدم عن سبب الحال الذّي وصل له النادي في السّنة الأخيرة، ففي سوق الانتقالات، نجح النّادي باستقطاب لاعبين اعتبروا من “مشاريع الأفضل” في مراكزهم، أمثال كوتينيو وغريزمان وديمبلي ودي يونغ… واختار مدربين حقّقوا نتائج ومواسم جيّدة جدًّا مع عناصر أقلّ مستوى بكثير ممّا يملكه برشلونة، وفي النّهاية البارشا يملك ميسي، أفضل لاعبي التّاريخ.
أُلقي اللّوم سابقًا على المدرّبين، وما زال، وتكفي نتيجة مباراة إشبيلية في كأس الملك بالأمس والتّي خسرها البارشا على أرض خصمه بهدفين نظيفين لتشهد على ذلك.
كما اعتادت الجماهير على شتم لاعبين كانت لهم مكانة خاصّة في القلوب كبوسكيتس وبيكيه، وكرهت لاعبين آخرين، كانت الأفراح قد عمّت الكامب نو يوم انتدابهم…
وتعيش الجماهير حالة ضياع كبير ببين مدح الفريق والثّقة به وبين انتقاده ومهاجمة كومان واللّاعبين، فبعد الفوز “الدراماتيكي” على غرناطة بخمسة أهداف لثلاثة في ربع نهائي كأس الملك الأسبوع الماضي، علت الأصوات لتمدح الفريق, لا بل قورنت العودة بالنّتيجة ضدّ “غرناطة” بالريمونتادا على “باريس سان جيرمان”، أمّا وبعدها بسبعة أيّام فقط، حين خسر الفريق ضدّ إشبيلية انقلبت الأقوال وعاد الانتقاد ومهاجة المدرّب ولاعبيه.
فما الذّي أوصل برشلونة إلى هذا الحال؟
المشكلة في البارشا ليست بلاعب واحد، أو مدرّب سيّء، أو تراجع مستوى ميسي أحيانًا، المشكلة الحقيقيّة في برشلونة هي غياب عمليّة “البناء” منذ فترة طويلة، وغياب التخطيط بشكل كلّي، ودخول سوق الانتقالات بأموالٍ طائلة وخطط معدومة، فكان الفشل عنوان أغلب الصفقات على الرغم من الأسماء الرنّانة والقدرات التي يملكها اللاعبون القادمون إلى الكامب نو.
لا يمكنك أن تخسر لاعبين بقيمة داني ألفيس وبويول وتشافي وانيستا وماسكيرانو … وتفشل في تعويض قيمتهم فوق أرضيّة الميدان.
الفشل الأكبر كان بمحاولة تعويض كلّ واحد من هؤلاء الأساطير بلاعب يأخذ مكانه، فمن يظنّ أنّه سيجد في سوق الانتقالات لاعب بمستوى تشافي أو انيستا… فهو لا يفقه من الكرة سوى شكلها.
مشكلة برشلونة هي غياب فكرة “الفريق المتكامل”، لتصبح مقولة (ميسي معنا فلا خوف علينا)، ليست مجرد شعار تتغنّى به الجماهير، بل شعار اعتمدته الإدارة ومعها المدربّون المتعاقبون على قيادة الفريق واللّاعبون زملاؤه ونسوا أنّ كرة القدم لعبة جماعيّة وأنّ ميسي سيرحل يومًا.
برشلونة فريق غير مستعدّ للعب مباراة واحدة في غياب نجمه الأوّل، السبب ليس فقط قيمة ميسي الكبيرة، بل لأنّه لم يتمّ اعداد الفريق لهذه اللّحظة، ولم يقم أيّ مدرّب بوضع خطّة لعب واضحة قادرة على النّجاح بمن حضر.
جماهير النادي اليوم تجني ثمار فشل إداري ذريع، فالنادي يعاني على كلّ المستويات، كرويًّا واقتصاديًّا وإداريًا، ومع تأجيل الانتخابات وظهور مرشحين يعنونون برامجهم بشعارات تسعى لاستعطاف الجماهير من حيث التّغنّي بالماضي ومهاجمة الخصم ريال مدريد والحديث عن ميسي، واستخدام اسم تشافي وكأنّه التّرياق السّحري منقذ البارشا، لا يبدو أنّ الحال سيتغيّر قريبَا.
وبارقة الأمل الوحيدة التّي تلوح في أفق مستقبل برشلونة هي العمل الذّي يبذله كومان في اشراك لاعبي لا ماسيا مع الفريق الأوّل ومنحهم ثقته، بعد أن كان هؤلاء مهملين في السّنوات الأخيرة، على الرّغم من أنّ تلك الأكاديميّة هي من منحت النّادي جيله الذّهبي.
وفي هذه الأثناء فليكن حال برشلونة درسًا لأندية كرة القدم تتعلّم منه ألّا تنتشي بمجد الحاضر متناسية مستقبل ينتطرها ومشجعيها وإلّا فالكارثة قادمة لا محالة، ولتعلم الجماهير أنّه مهما عشقت لاعبَا ومهما كان هذا اللّاعب متفوّقًا فنحن بتنا في عصر “المنظومة” التّي تجلب الألقاب، في عصر يحتاج فيه اللّاعب لفريق يكمّله وليس العكس أبدًا.










